الاعتداء على العلامة التجارية: صور الجريمة وآليات الحماية النظامية
المقدمة:
تعد العلامة التجارية من أهم الوسائل التي تساعد المستهلك في التعرف على المنتجات والخدمات. فهي تحميه من الوقوع في اللبس والتضليل عند الاختيار. كما تساعد العلامةُ التجارَ والصانعين على الارتقاء بجودة منتجاتهم لضمان رواجها والمحافظة على سمعتهم.
إلا أن التعدي على العلامات التجارية يعرقل أداء هذه الوظيفة، ويلحق ضرراً جسيماً بالمجتمع. لا يقتصر الضرر الناتج عن التقليد أو التزوير على مالك العلامة فقط، بل يمتد إلى المستهلك الذي يقع ضحية لهذا الغش والخداع.
سنستعرض في هذا المقال صور الاعتداء على العلامات التجارية، ووسائل حمايتها النظامية، ومواعيد سقوط الحق في الدعوى.
يقع الكثيرون في خطأ بدء الإجراءات دون استيفاء هذه المتطلبات. هذا قد يؤدي إلى رفض طلباتهم وخسارة الوقت والمال.
أولاً: صور الاعتداء على العلامات التجارية
يقع الاعتداء على العلامة التجارية بطرق مباشرة، مثل التقليد أو التزوير. كما يمكن أن يقع بطريقة غير مباشرة. وللتفرقة بينهما، سنفصل بين هذين النوعين كما يلي:
1. الاعتداء المباشر على العلامة التجارية
يُعرف الاعتداء المباشر بأنه الاعتداء الذي يقع على مادية العلامة نفسها، والذي قد يغير من صفتها أو شكلها أو عناصرها المكونة. ويشمل أيضاً الانتهاك الكامل بوضع العلامة على منتجات أخرى بقصد تصريفها.
يتخذ الاعتداء المباشر شكلين رئيسيين:
-
التزوير (Counterfeiting): وهو اقتباس العلامة بشكل كامل أو حرفي.
-
التقليد (Imitation): وهو اتخاذ علامة تشابه في مجموعها العلامة المسجلة، بشكل يؤدي إلى إيقاع المستهلكين في الخلط أو اللبس.
توجد جريمة أخرى تسمى “انتهاك العلامة”، وهي قيام شخص بنزع علامة مسجلة من منتجات المالك الأصلية، ووضعها على منتجات أخرى غير مخصصة لها تعود للجاني. ومن أمثلتها الشهيرة تفريغ زجاجة عطر أصلية وإعادة تعبئتها بسائل مقلد.
عقوبات الاعتداء المباشر
نصت المادة 42 من نظام العلامات التجارية لدول مجلس التعاون الخليجي على عقوبات مشددة:
“يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد عن ثلاث سنوات وغرامة لا تقل عن 5,000 ريال سعودي ولا تزيد عن مليون ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من زور علامة سجلت… أو قلدها بطريقة تدعوا إلى تظليل الجمهور وكل من استعمل وهو سيء النية علامة مزورة أو مقلدة…”
2. الاعتداء غير المباشر على العلامة التجارية
يُعرف الاعتداء غير المباشر بأنه التعدي على العلامة دون القيام بأعمال التزوير أو التقليد بشكل شخصي. بل يتم ذلك عبر الترويج لمنتجات أو بضائع تحمل علامة مزورة، كبيعها أو اقتنائها بقصد البيع، شريطة أن يكون المعتدي “على علم مسبق” بأنها مقلدة.
ويشمل الاعتداء غير المباشر أيضاً:
-
كل من دون بغير حق على علامته أو أوراقه ما يؤدي إلى الاعتقاد بحصول تسجيل العلامة (مثل استخدام رمز ® وهي غير مسجلة).
-
كل من تعمد وهو سيء النية إغفال وضع علامته التجارية المسجلة على السلع أو الخدمات التي تميزها.
عقوبة الاعتداء غير المباشر
نصت الفقرة (ب) من المادة 42 من ذات النظام على:
“يعاقب بغرامة لا تقل عن 1000 ريال سعودي ولا تزيد عن 100,000 ريال سعودي كل من باع أو عرض للبيع… سلعاً عليها علامة مزورة أو مقلدة… مع علمه بذلك… وكل من استعمل علامة غير مسجلة… وكل من دون بغير حق… ما يؤدي إلى الاعتقاد بحصول تسجيل العلامة…”
ثانياً: وسائل حماية العلامة التجارية
تتمتع العلامة التجارية المسجلة بحماية مزدوجة: مدنية وجزائية. فالتعدي عليها يشكل جريمة جنائية، وفي الوقت ذاته يمنح المالك الحق في المطالبة بالتعويض المدني.
سنستعرض الآن أهم الوسائل التي أقرها النظام:
1. الإجراءات التحفظية (الحماية العاجلة)
تهدف الإجراءات التحفظية إلى دفع الاعتداء بشكل عاجل وفوري. وهي سلسلة من الإجراءات القضائية السريعة لإيقاف التعدي أو منعه قبل وقوعه. أجاز النظام لصاحب الحق اتخاذ هذه التدابير المؤقتة قبل عرض النزاع على القضاء.
أنواع الإجراءات التحفظية: يمكن لمالك العلامة تقديم عريضة للمحكمة المختصة لطلب واحد أو أكثر مما يلي:
-
إثبات حالة: إجراء يهدف لإثبات الأدلة (وجود السلع المقلدة، الأدوات المستخدمة) قبل اختفائها.
-
الحجز المؤقت: إيقاع الحجز على الأشياء المستخدمة في التعدي والعوائد الناتجة عنه.
-
استصدار أمر قضائي: لمنع السلع المقلدة من الدخول للقنوات التجارية أو تصديرها.
-
استصدار أمر قضائي: لإيقاف استمرار التعدي أو منعه قبل أن يبدأ.
إجراءات النظر في الطلبات التحفظية:
-
تتولى المحكمة البت في العريضة خلال 10 أيام (وقد تكون أسرع في الحالات الاستثنائية).
-
يجب على مقدم الطلب تقديم الأدلة التي ترجح وقوع التعدي.
-
أهمية السرعة: يجوز للمحكمة إصدار الأمر دون استدعاء الطرف الآخر (المعتدي). يحدث هذا إذا كان التأخير سيلحق ضرراً بالمدعي، أو كانت هناك خشية من إتلاف الأدلة.
-
للمدعى عليه (المعتدي) حق التظلم أمام المحكمة خلال 20 يوماً من إخطاره بالأمر.
-
يحق للمحكمة تكليف مقدم العريضة بتقديم كفالة مالية مناسبة لحماية المدعى عليه من إساءة استعمال الحق.
شرط هام: يلتزم صاحب الحق برفع “دعوى موضوعية” (أصل النزاع) خلال 20 يوماً من صدور الأمر التحفظي، وإلا جاز إلغاء الأمر.
2. الحماية المدنية (دعوى التعويض)
منح النظام صاحب العلامة الحق في اللجوء للقضاء المدني. يمكنه رفع دعوى لدفع الاعتداء والحصول على تعويض كافٍ يجبر الضرر. يشمل التعويض الأضرار المباشرة التي لحقت به، بما في ذلك الأرباح التي جناها المعتدي من جراء التقليد.
- تقدير التعويضات: تحدد المحكمة التعويض بالقدر الذي تراه جابراً للضرر. وتراعي في ذلك قيمة السلعة أو الخدمة الأصلية (سعر التجزئة) أو أي معيار آخر تراه مناسباً.
- حق إتلاف السلع المقلدة: نعم، للمحكمة، بناءً على طلب صاحب الحق، أن تقضي بإتلاف السلع التي يثبت أنها مقلدة، وذلك دون أي تعويض للمدعى عليه. ويشمل الحكم غالباً إتلاف المواد والأدوات التي استخدمت في التصنيع. (وتجدر الإشارة إلى أن مجرد إزالة العلامة المقلدة عن السلعة لا يكفي للإفراج عنها).
3. الحماية الجنائية (دعوى الحق العام)
توفر الأنظمة حماية جنائية للعلامات التجارية المسجلة، وكذلك للعلامات “المشهورة” حتى لو لم تكن مسجلة. ولا يُشترط لتوافر الجريمة أن يكون المعتدي قد حقق ربحاً؛ فيعاقب سواء ربح أم خسر.
صور الاعتداء الجنائي (أركان الجريمة):
-
جريمة التزوير أو التقليد: تتطلب ركناً مادياً (الفعل نفسه) وركناً معنوياً (نية الاعتداء وغش المستهلك).
-
جريمة استعمال علامة الغير: تتم بوضع علامة مسجلة كما هي على منتجات المعتدي، مع توافر سوء النية والقصد الجرمي.
-
جريمة بيع البضائع المقلدة: تتطلب ركناً مادياً (البيع أو الحيازة بقصد البيع) وركناً معنوياً (العلم المسبق بأن البضاعة مقلدة).
-
جريمة الادعاء الكاذب: كوضع إشارة دالة على تسجيل العلامة (®) وهي في الحقيقة غير مسجلة.
سقوط الدعوى (التقادم)
نعم، يسقط الحق العام في الدعوى الجنائية بالتقادم بمضي 5 سنوات من تاريخ ارتكاب المخالفة (دون اتخاذ أي إجراء تحقيق أو محاكمة).
ولكن، يجب الانتباه إلى أن سقوط دعوى الحق العام (العقوبة الجنائية) لا يُسقط دعوى الحق الخاص (وهي حق المالك في المطالبة بالتعويض المدني عن الأضرار).
الخلاصة: علامتك في خطر؟ الدفاع عنها يتطلب أكثر من مجرد شكوى
يتضح مما سبق أن حماية العلامة التجارية مسار قانوني متشعب ودقيق. لا يقتصر الأمر على مجرد “تسجيل” العلامة، بل يمتد إلى آليات دفاع معقدة تشمل الشق الجنائي، والمدني (التعويض)، والإجراءات الوقتية العاجلة.
إن التعامل مع حالات الاعتداء يتطلب خبرة ودقة فورية. فالإجراءات التحفظية لها مواعيد نظامية صارمة (مثل ضرورة رفع الدعوى الموضوعية خلال 20 يوماً)، وأي خطأ إجرائي بسيط قد يهدر حقك في إيقاف التعدي بشكل فوري، أو قد يكلفك قيمة الكفالة المقدمة. كما أن إثبات الضرر الفعلي، وحساب التعويضات، وتتبع الأرباح التي جناها المقلد، يتطلب خبرة قضائية متخصصة.
في شركة يقين الفراسة للمحاماة والاستشارات القانونية، نحن ندرك أن علامتك التجارية هي سمعتك واستثمارك الأغلى. فريقنا المتخصص في قضايا الملكية الفكرية لا يقدم لك خدمة التسجيل فحسب، بل يوفر الحماية القضائية الكاملة. نحن نتولى عنك كافة الإجراءات المعقدة، بدءاً من استصدار الأوامر التحفظية العاجلة لوقف التقليد، مروراً بتقديم الشكاوى الجنائية، وانتهاءً بالمطالبة بأقصى تعويض ممكن لجبر الأضرار التي لحقت بسمعتك وأرباحك.
لا تترك علامتك عرضة للمعتدين. لحماية استثمارك والدفاع عن حقوقك بقوة أمام القضاء، [تواصل معنا] لتقييم حالتك فوراً.
Comments are closed